بدا لي الوادي في الظلام كأنه بلا نهاية. أما هو فكان يمشي كأنه في
حديقة بيته. انتقلت ثقته إلي، فتركت نفسي أحث السير بجواره نخترق الظلام بلا قلق.
نمشي و نمشي. أقلق مرور الزمن السائق فبدأ يرسل إشارات ببطاريته ليطمئن، جاوبها هو
بإشارات مماثلة ثم تابعنا السير. هل كنا نتحدث. كان الحديث كله همساً. فرغم فسحة
الفضاء، و رغم امتداد الأرض و بعد المسافة عن أي قريب يمكن أن يسمعنا، كنا نهمس،
المكان فرض الهمس، أوحي به. رغم خلو المكان فهو مليء. حركة الأشياء في
المحيط هي الإستثناء، إلا أنك رغم ذلك تشعر بحركة دائبة، مستمرة حولك. حركة
الطاقة. حركة سرعتها مريحة. كان كل شيء يهمس: لون الليل، لمعان النجوم، هدوء
الريح، فوجدنا أنفسنا نهمس، نحن أيضاً. أري أثراً لأقدامي واقفة في المكان، و
أقدامه تتحرك، خطوتان يميناً، مثلهما يساراً، شمالاً، جنوباً، كأنه يرقص حولي،
رقصة ما غامضة. مبتسمة أرقبه و هو يشرح موقعنا، بالضبط و بدقة، كما أكد. يذكر اسم
هذا الجبل البعيد، و هذة السلسلة الجبلية الأقل إرتفاعاً، و هذا الممر. هذا يعني
أن من هنا للحدود الليبية ذلك العدد من الكيلومترات. ردد منذ وصلنا بعد أن تخطينا صعوبات
كثيرة، إنه يسمي هذا المكان (المنزل) إذ بإنعزاله لصعوبة الوصول إليه فإن له
حرمته. و لأنه يحبه فقد عرفه علي مرات رحلات عديدة أتم المعرفة. كان يبدو كمن لا
يريد أن يتوقف عن الكلام، عن كل شيء و أي شيء، مداريا ارتباكا ما. شعرت بعذوبته
فلزمت الصمت.
***
عندما تخرج للصحراء فأنت تغادر ما تعرف إلي مجهول. تضع جانبا ما
تعودت، ما تعلمته، تتفتح لتقبل جديد ربما يغير حياتك، إذ لن تعود أبدا ما كنته من
قبل. تشعر في بدء مواجهة الصحراء لأول مرة كما لو انها تبعثرك، فلا تترك حجرا علي
حجر. تعجز عن التفكير، بياض تام. صورة مشوشة، ظلال غامضة، لا تدل علي شيء، لا تجد
لها معني، إنها حواجز، عندما تتعرف علي الحقيقة. فما بعثرتك الصحراء إلا لتكتشف في
النهاية تكاملك الحقيقي الكامن فيك، تكتشف إلي أين تمضي، و ما الذي كنت تبحث عنه.
هل جربت بعض الطرق؟ كل الطرق؟ هل اكتشفت بعد طريقك الخاص، حقيقتك؟ فلتؤدي إذن ما
خلقت من أجله، و لتتقن ما تعمل. ففي الصحراء تتعلم أنه لا مجال لأنصاف الحلول.
صفاء مطلق. كل شيء شديد النقاء. رهافة تعز علي الإدراك الكامل.تسمع أصواتا تحدثك
مباشرة تحمل حكمة. تكتشف فيما بعد أن تلك الأصوات أتت من داخلك أنت. الصحراء فقط أعادتك
إلي نفسك، لتدرك قيمتها، و تصدقها. كل حياتك الماضية تصبح كما لو كانت ذكري بعيدة
مبهمة. ذاك الظلام الذي ظلت تخوض فيه لاعنا إياه في كل لحظة إذ تتزايد كثافته كلما
خضت فيه، ربما كان ظلمه تأتي من قلبك أنت. إذن هيا فلتبددها. تكتشف أن الحياة هشة،
كما أنت نفسك، إلا أن قتالها من أجلك يمكن أن يصبح ضاريا، فقط إذا أنت اخترتها،
اخترت الحياة.
***
هنا في الصحراء، لكلمة "الطريق" معني أعمق. لا يمكن معرفة
الطريق بحسابات عقلية و عملية فقط، مهما كانت معداتك. هنا لابد أن تصغي بتواضع،
تصغي للطبيعية، لكل الدقائق و التفاصيل، مهما تفهمت في نظرك، مهما بدت مملة.
بإمكانك أن تجعلها صديقا او عدوا، حسب احترامك لها. لابد أن تسمع لمن يعرفون
بحدسهم مهما بدوا أقل منك في كل شيء بحسابات الحضر. مقايسك ستختلف هنا، شئت أم لم
تشأ. هنا لابد أن تصغي بانتباه كامل لداخلك، ذلك الذي لا وقت لديك له في المدينة،
أن تتقبل أن تتغير، أن تصغي لحواسك الأخري، لقوانين أخري. و ها أنا أقول لك إن لم
تصغ، فالغلطة بموتة، هذا هو حكم الصحراء، فهل ستقبله؟ الطريق يصبح طريق حياة،
نجاة، أو طريق نهاية، لا ثالث. قلبك يصبح يوما بعد يوما خليطا من أصلب ما في
الدنيا و أرق ما في الدنيا.