الأحد، 27 نوفمبر 2011

هيباتيا




الأبواق صاحتْ مخبرةً بمجيئ حاكم المدينة أورستوس الذى توسَّط الصف، وانتشرت حاشيته على جانبيه، فامتلأ الصَّفُّ الأول. دخلت هيباتيا الصالة الفسيحة، فوقف لها الجميع بمن فيهم الرجال! منعنى وقوفهم المفاجئ من رؤيتها تدخل. لما حيَّتهم وجلسوا، رأيتها ترتقى الدرجتين إلى المنصة، وتقف كالحلم أمام الجمهور الذى انتظم جلوسه على الأرائك .. تهيَّأتْ هى للكلام ، فسكن الجميع كأنهم تماثيل طريق الكباش الطويل .
  من قبل أن تنطق الأستاذة بشئ ، ظل قلبى يرتجف ويزداد خفقانه، حتى خشيتُ أن يسمع الجالسون حولى دقاته المضطربة .. هيباتيا امرأةٌ وقورٌ وجميلة ، بل هى جميلة جداً. أو لعلها أجمل امرأة فى الكون . كان عُمرها فى حدود الأربعين، وكان أنفها جميلاًً جداً وفمها، وصوتها، وشعرها، وعيناها.. كل ما فيها، كان أبهى من كل ما فيها. ولما تكلمت زاد بهاؤها ألقاً. عرفتُ بعدما رأيتها بشهور، أنها اشتغلت بالعلم من صغرها، على يد أبيها الرياضىِّ الشهير ثيون، وعرفتُ أنها ساعدته، وهى بَعْدُ مراهقة، فى شروحه التى دوَّنها على أعمال كلوديوس بطليموس صاحب كتاب الجغرافيا، والكتاب الكبير فى الفلك.
 هيباتيا .. أكاد إذ أكتب اسمها الآن ، أراها أمامى وقد وقفتْ على منصة الصالة الفسيحة، وكأنها كائنٌ سماوىٌ هبط إلى الأرض من الخيال الإلهى، ليبشِّر الناس بخبرٍ ربانىٍّ رحيم. كانت لهيباتيا تلك الهيئة التى تخيَّلتُها دوماً ليسوع المسيح، جامعةً بين الرقَّة والجلال .. فى عينيها زرقةٌ خفيفة ورُماديةٌ، وفيها شفافية. فى جبهتها اتساعٌ ونورٌ سماوىٌّ، وفى ثوبها الهفهاف ووقفتها، وقارٌ يماثل ما يحفُّ بالآلهة من بهاء. من أى عنصر نورانى خُلقت هذه المرأة ؟ ..كانت تختلف عن بقية الناس ! فإن كان الإله خنوم هو الذى ينحت أجسام الناس، فمن أى صلصال طاهر نحتها، وبأى عطرٍ سماوىٍّ سَبَكها؟ .. يا إلهى ، إننى أُجدِّف .
كانت تشرح لنا بلغةٍ يونانيةٍ راقيةٍ، كيف يمكن للعقل الإنسانى أن يستشفَّ النظام الكامن فى الكون، وأن يصل بالفهم إلى معرفة جواهر الأشياء، وبالتالى يميِّز أعراضها وصفاتها المتغيرة .. كان يجرى على لسانها عباراتٌ من مبادئ الفلسفة، عبارات طالما سمعتها من غيرها ، لكنها نطقتْ بها وكأنها تفتح عقلى وتدسُّها فيه. حتى المشهور من كلام الفيثاغوريين، مثل قولهم: العالم عددٌ ونغمٌ.. شعرتُ من عمق إحساسها بالعبارة، ومن رهافة نطقها بها، أن الكائنات كلها ايقاعاتُ منظومة واحدة.. وعلى هذا النسق، فهمتُ من عباراتها مالم أفهمه قبلها من أهل الفلسفة .
انتبهتُ إلى آخر ما قالته الأستاذة يومها، وما يزال عالقاً بذهنى. قالت: والفهمُ أيها الأحبة، وإن كان فعلاً عقلياً، إلا أنه فعلٌ روحىٌّ أيضاً. فالحقائق التى نصل إليها بالمنطق وبالرياضيات، إن لم نستشعرها بأرواحنا؛ فسوف تظلُّ حقائق باردة، أو نظلُّ نحن قاصرين عن إدراك روعة إدراكنا لها ..


_________________________
الرق التاسع
شقيقة يسوع
عزازيل - يوسف زيدان