لا استطيع أن أخفيك سراً يا حبيبي، الأيام تمر ببطء، بطء شديد ممل،
ربما تعودت روحي الجري الدائم بين أكثر من طريق، تعودت الهروب في مدارات
الحياة الواسعة، صار الأكثر منطقية لها أن تتحرك مُسرعة تلاحق أحلامها في شغف، ربما رغبة في الهروب من حياة لا ترغب التواجد فيها..
الحياة قبيحة يا حبيبي، قبيحة و يزداد سوءها يوماً بعد يوم، يتجلي
قبح الدنيا في نفوس البشر، أشعر بالغربة الشديدة وسط هذا الجمع المتلاحم من البني
ادمين، أكوام من اللحم لها لسان و أطراف و ليس لها روح، ما تبقي هو عفن النفس
المتحللة داخل جسد متهالك، تلك الجموع ترهقني، تستنزفني...
توقفت عن الرمح في كل الإتجاهات منذ كثير، عن الجري المتكرر في كل
السكك، عن الهروب، الهروب من ملل الحياة، و ضيق أفق أكوام اللحم مُدعية الإنسانية
التي تحيط بي، توقفت عن اللحاق بالدنيا...
لا أود اللحاق بها، لم يعد هناك ما يحفز علي الركض، لم يعد هناك ما
يدفعني علي تحمل ألام الركض و ثقل الأحلام، لم أتنازل عن أحلامي و لكني فقط تخففت،
تخففت من الرغبة المُلحة في التحقق، تخففت من الركض وراء إثبات الذات، إثبات ملكية
الأماكن، لم أعد أمتلك سوي نفسي، أعتني بها، أحافظ عليها، و أهتم براحتها...
تركت أحدي أهم الدوائر بحياتي، تركت دائرة كانت تمثل الأمان بالنسبة
لي، تركتها و كان هذا مؤلم، تركتها لأنها بدأت تتملكني، كنت علي وشك الذوبان و
التماهي، كنت علي وشك فقدان نفسي، تركتها بألم، و لكني أكتشفت أن عليك دائماً ترك
أشياء منك و الرحيل، حتي و إن كان رغماً عنك، عليك الحفاظ علي روحك حية، حقيقية،
عليك أن تظل أنت أنت...
هل تعلم أني تحررت حتي منك، لم أعد أخاف البعد و الفراق، لم أعد أخاف
الفقد، هذا لا ينفي الألم، لكنه ينفي التملك، تجردت من تملكك يا حبيبي، أصبحت
وديعتي عند الله، يحافظ عليها كما يشاء، و يستردها وقتما يشاء، لا أرغب في هوس
جديد، لا أرغب في هوس تملك جديد يلوث روحي...
لا أمتلك إلا نفسي، ليس لدي حق التصرف إلا بها، كنت دائماً أوجد مركز
لدائرتي و أتعمد الدوران حوله، أجعل هذا المركز إلهي المقدس، و أسخر الحياة له،
إله المال، العلم، التحقق، الحب.. كان عليا التحرر من تلك الألهة، التحرر من
عبوديتي لأي شيء، من إحساسي الدائم أن هناك نقص ما أملأه...
تعلم يا حبيبي.. يكمن أصل الفكرة في إمتلاء الذات و الخفة، من كان
ممتليء بذاته، قادر علي إصطحابها، كان خفيفاً علي الجميع، خفيفاً حتي علي نفسه،
أشعر بتلك الخفة و أسعي لإصحاب نفسي و إمتلاء ذاتي منذ كثير...
تعلم.. لا نستطيع الحب بكامل طاقتنا و ذواتنا ناقصة، لا نستطيع فعل
الحب و نحن ننفر من إصطحاب أنفسنا، الحب ينبع من نور النفوس، إكتمالاً لذات ممتلئة
و ليس إمتلاءً لذات ناقصة، الحب ليس بمسكن للألام، لا نستطيع الحب و ذواتنا
مُستنزفة، و نفوسنا تركض وراء مراكز دوائرنا الزائفة، لا نستطيع الحب و ثقب واسع
يحتل دواخل نفوسنا...
تخففت يا حبيبي، تخففت و تحررت أيضاً، أصبحت أكثر إيماناً و هدوءً،
شغفي بالأشياء لم ينطفيء، و لكن صخب الأشياء أختفي، أختفي الإنفعال بها، أصبحت
أكثر هدوءً، و أصبحت مشاعري أكثر نضجاً، أصبحت التجارب تتكون داخل نفسي في هدوء و
بطء، كفعل الجولوجيا بالطبيعة، تتكون طبقات من الرواسب علي مهل، و تتكون التجارب
داخل نفسي كطبقات تترسب في رفق و رحمة و ثبات...