"فهمت إن مافيش ألم بيعدي علينا إلا وليه هدف. ناس كتير
بياخدها الوجع فيعدي الدرس قدام عنيها ويفوتها. وناس تانية في قلب الوجع تبقى
عارفة إن ديه ولادة جديدة." - سحر الموجي
قريت الجملة دي قبل كده وطبقتها عليا لاقتني بطبقها علي تجارب شخصية
و محاولات نجاح كنت أظن فشلها و أخدني الغرور بنفسي و قلت يااااااه أنا جامدة جدا
عديت بكل ده ومتهزتش و قاعدت اضخم في ذاتي و في مدي عبقريتي باللي انا عملته واد
ايه انا كنت قوية و ذكية ...
بس يوم الجمعة الساعة 4 تقريبا في قرية معارك في بني سويف انهارت كل
هذة الاصنام الملفقة والبراويز الجميلة اللي كنت بنيها لعظمتي وقويتي ادام تجربة
أم رجب
أم رجب .. مش عارفة أبدأ منين ..
الكلام جوايا كتير و بيوجع لدرجة اني مش عارفة اكتبه
خلينا نبدا من الأول .. من ساعة مااخدنا ميكروباص لمعارك
و بدا المرشد اللي معانا يعاملني أنا وهبة علي اننا سياح و كل ما
يشغله هو منظر النيل و ان المكان اللي الفندق فيه جميل و ممكن نتمشي هناك علي
الكورنيش .. سمعته و ركزت فيه و قلت كويس اكيد فعلا المنظر هيكون تحفه .. دخل
الميكروباص وسط القري و الارض كان كلها زراعة و كنت مبسوطة باللون الاخضرطول
الطريق لحد موصلنا
وصلنا لأم رجب ..
أم رجب نادي عليها مصطفي اللي كان معانا و شاور علي بيت مقسوم نصين
اغلبه ملون و الباقي رمادي
خرجت بنت من البيت وقالت له بتجيب حاجة وهتيجي اتفضلوا .. وقبل ما نتدخل
حكي لي مطصفي حكايتها وان البيت الملون ده بيت اهل جوزها المريض بفيرس سي .. و انا
أم رجب كانت دائمة الخناق مع اهله لانهم مصممين ان بناتها يخرجوا من المدرسة وهي
عايزيهم يتعلموا لحد ما وصل الحال انهم قسموا البيت و بقي كل حد في حاله و ميعرفش
عن التاني حاجة .. وان ام جوزها ممكن تعالجه و تساعدهم بس عقابا لأم رجب هي لا
علاقة لها بيهم اطلاقا و غير مهتمة تماما بمرض ابنها الخطير و لا باهل بيته اللي
ملهمش مصدر رزق ..
دخلنا البيت- مش عارفة هو ده ممكن يطلق عليه بيت- دخلت لاقيت البيت
عباره عن صندوق بلا هواء ولا شمس و استرحنا علي مقعد من الطوب بقرب المدخل .. واذا
بها أم رجب تلهث جريا و ترحب بينا و تبرر انها أتأخرت لأانها كانت بالغيط .. سالها
مصطفي عن حالها و عن ما فعلته بالاغنام اللي جابوهلها امبارح كمشروع للمساعدتها ..
وردت بانها عملت كل اللي اقالولها عليه ..
استراحت وسالتها عن أولادها .. قالتلي عندها بنتين ووولد اللي هو رجب وان بناتها في المدرسه وشطار و بيحبوا
المذاكرة ..
و طلب منها مصطفي توريه مكان الاغنام و بالفعل طلعنا نشوف مكان
الاغنام واللي هي كانت فيما يشبه السطوح واللي
هو كان مكان سرير جوزها اللي عنده فيرس سي و مش بيتحرك .. و لاقيتها بتقول لمصطفي
انها نقلته لمكان تاني عشان الاغنام .. ووقفت عن الجملة دي وفكرت كتير .. الست
نقلت سرير جوزها المريض بعيد عن الشمس و الهوا عشان الغنم !!
شوية وببص لاقيت سور البيت مبني لحد النص و سألنها مش مكمله ليه
..لاقيتها بتقول انا اهل جوزها قالولها يكملوه بس هي رفضت عشان رجب لما يكبر لو حب يهد طوبه
يهد في ملكه !!! و دي جملة تانية برده وقفت عندها دي بتفكر في رجب و ملكه ومستقبله
وهي مش ضامنه انها تلاقي تاكله النهاردة ..
كملنا لف علي بقيت البيت و شفت منظر عمري ماهنساه في حياتي .. وريتنا
مكان ما بتنام هي ورجب ونوره وهاجر ولادها سرير متوسط الحجم بس الفكرة مش في
السرير .. الفكرة في اللي كان جنبه .. أم رجب وولادها بيربوا عجل جمب السرير اللي
بيناموا عليه في اوده واحدة .. الزريبة وحجرة النوم في مكان واحد ام رجب بتنام في
حضنها ولاده والعجل خمسهم .. اتكسفت وقالت انها بتخرجه لما يجوا يناموا و تنظف ..
هتنظف ايه و تخرج مين وهتحوطه فين ...
المشهد ده كان كافي بانه يخليني فعلا احس و افهم معني الظلم والقهر .. لو كنت عشت
ميت سنه ادام مكنتش عمري هفهم المعني دع بالشكل ده ...
أنا خرجت من عنده أنا وهبه مش بنتكلم
كان عندي حالة من الصدمة و الأرف
كان عندي حالة من عدم الرضا و السخط علي الدنيا
و سؤال بحاول افهم اجابته
هما دول فين حقهم .. مين يجيبوا
هما دول بيتحسبوا بني ادمين
اللي فضلت الاغنام علي جوزها
و أخدت العجل بالحضن مع ولادها
دي فعلا حاسة بادميتها .. حاسه انها انسان ليه حقوق
انا خرجت من المكان وانا بحتقر نفسي في كل وقت حسيت فيه اني مش راضيه
في كل وقت اتعملت مع نفسي علي انها حد عظيم و قوي ومهما شاف بيكمل
جوايا وجع مش ممكن اوصفه و قرف من الدنيا ملووش حدود
يمكن تكون أم رجب بالنسبة لناس تانية "نموذج" مؤلوف وعادي
وفي منه كتير
بس أنا .. التجربة دي بالنسبه لي الأولي و متهياليش نها مؤلوفة
وعادية
هقف عندها كل ما احس بعدم رضا
او تضيع مني معاني الانسانية وسط صراعات البني ادمين
التجربة دي علمتني أن مش كل اللي بشفهم بني أدمين
في كائنات حيه و في بني ادمين
