في بلاد النوبة الإبتسامة فعلاً فرض
الرضا و السكينة و الطمأنينة هما كمان فرض
الإعتزاز بالنفس و الإيثار و الصدق فرض
مشاركة الأخرين الفرح و الحزن و الإنتماء فرض
بمعني تاني الإنسانية فرض
الفطرة و التلقائية فرض
الإحساس فرض
أنا روحت هناك في رحلة قصيرة .. مش عارفة لحقت فعلاً أشوف كل حاجة
هناك ولا لأ .. بس كان بقالي كتير مرحتش أماكن تلمسني من جوا كده .. أحساها لدرجة
الإرهاق بالشكل ده .. كل الأماكن اللي روحتها أتحفظت جوايا بس مش صور زي ما متعودة
دايماً .. لأ أتحفظت إحساس .. صورة بيغلفها إحساسها
يمكن من زخم التجربة مش عارفة أوصفها بشكل مترابط هحاول أقولها بالترتيب
بس هدي نفسي فرصة بردوا أني أحكيها بالتلقائية اللي عشتها بيها
هبدأ بحوش الكنزي .. المكان بيدأ بباب كبير كان عامل بالنسبة ليا زي
الباب السحري .. أكن حد فتح باب و دخلني لعالم تاني .. يمكن عشان هو عالم ملون
مفيهوش مكان غير للفن و الأبداع و دي حاجات بحسها أوي .. المكان كله أعمال يدوية
بس مش مجرد مشغولات للبيع أو الفرجة .. المكان باللي في بيحكي قصة اللي أشتغله و
اللي أبدع و رسمه و اللي فعلاً بيحب اللي بيعمله .. اللوح اللي معمولة بنوي البلح
و الخوص و الدوم و جريد النخل كنت حاسها بتبتسم في حب .. بتعبر عن حب اللي أشتغلها
ليها .. في حاجات كده بتشوفها حلوة عشان اللي عملها ساب فيها حتة منه و مبخلش
عليها بإحساسه .. هو ده اللي أنا حسيته لما شفت المكان الكبير ده .. كله أعمال
فنية في صورة مشغولات يدوية .. هي في الحقيقة تجسيد للجمال .. جمال اللي عملها من جواه و جمال
المكان .. ألوان المكان جميلة و إحساسه أجمل
روحنا بعد كده قرية أسمها غرب سهيل .. المركب خدتنا لهناك و طول
الطريق لحد هناك و أنا بسأل نفسي أزاي البيوت كده؟! .. البيوت كلها شكلها حلو ..
ملونة بألوان جميلة أديتني أحساس أن اللي عايش فيها لازم يكون متصالح مع نفسه و
إلا مكنش لونها كده .. مش بس لونها اللي لفت نظري .. شكلها كمان البيت سقفه عالي
علي شكل أسطواني و لما دخلت من جوا لاقيت بيوت علي حيطانها روسمات ده غير أن البيت
نفسه واسع جداً .. الرسم و الألوان أكدوا رأيي بأن الناس دي مولودين فنانين بس
الوسع بتاع البيوت حسسني كمان بالبراح .. الناس دي من جواها واااسع أوي .. مريح و فضفاض .. مريح لدرجة فهمتني سر الراحة النفسية اللي بتحسها
لما تبص بس في وشوشهم .. و سر الرضا و الإبتسامة اللي مش بتفارقهم ..
تاني يوم روحنا جزيرة عواض .. جزيرة وسط النيل .. ناسها ميفرقوش كتير
عن اللي شفتهم في غرب سهيل .. ماعدا واحدة "الحاجة صفية" أتحكلي عنها
قبل كده من هوايدا و مكنتش شوفتها .. الحاجة صفية مش بتتكلم عربي بتتكلم نوبي .. الحاجة صفية مش محتاجة تتكلم عشان توصل اللي هي عايزاه .. الحاجة
صفية قلبها موصل علي قلب اللي حواليها .. ممكن تبصلك و تمتم بكلام نص مفهوم توصل
كل اللي هي عايزاة .. و ممكن كمان تبصلك تفهم و تحس اللي أنت مقولتهوش .. أيه ده .. أزاي ممكن حد يكون روحاني كده .. عشان تحس كده أكيد هي
متوسختش بأي حاجة .. أكيد حافظت علي الفطرة و الإحساس .. أنا كل ما بفتكر وشها
أبتسامة عريضة بتترسم علي وشي و بتترسم في قلبي كمان .. الست دي خلتني أفكر أن
أكيد الناس هناك بيعبدوا ربنا أحسن مننا .. الناس لسه طبيعية متلوثتش بالشر و
الحقد .. الناس راضية و مطمئنة .. و الغريبة أن اللي عندهم مش كتير و أحياناً أقل
من الحد الأدني و مع كل ده السعادة مبتفرقهمش و علي إستعداد أنهم يدوا اللي في
أديهم لأي حد محتاجه .. أزاي ممكن حد يفضل نضيف من جوا كده
روحنا في يوم تاني زي شاطيء بس مش علي البحر لأ علي النيل .. النيل
رخيم أوي .. أول مرة أحس بده .. و سألت هوايد هو أحنا ليه بنصيف في الساحل .. لية
مبنفكرش نروح مكان علي النيل؟! .. المكان كان جميل بس الأجمل هو المراكبي اللي
رجعنا بمركب صغير .. عددنا كان أكتر من إحتمال المركب بس هو صمم نركب .. بعد ما
ركبنا المراكبي كان بيجدف بتقل .. كنت حاسة أننا بنتعبه لأن عددنا كبير .. هوايد
قلتله معلش تقلنا المركب عليك .. أبتسم و قالها لا تقلتوه ولا حاجة !! .. بعد ما نزلنا مشي .. فبسألها
هو أنتوا دفعتوله قبل ما نركب .. ضحكت و قالتلي مبيخدش فلوس !!! نعم الراجل وصلنا
ببلاش !! طب ممكن نكون في سكته ماشي .. أنما ميركبناش كلنا و يتعب و كمان ببلاش ..
أزاي ممكن يكون في كده؟! .. ده أحنا بنبقي من مسؤليتنا أننا نعمل حاجة معينة و جزء
من شغلنا اللي بناخد عليه فلوس و مبنعملهاش أصلأً .. أزاي هو ألزم نفسه و تعب و هو مش مطلوب منه ده
أنا أنبسطت هناك أوي و حبت الناس و أرتحت نفسياً
لما سألتنا هويدا أحنا جايين ليه قولتلها جاية أنضف من جوا
أنا حاسة أني فعلاً نضفت من جوا و حسيت بالطمأنينة و السكينة
و لمست معني الجمال اللي هو أصلاً بالبساطة
و حسيت بالسعادة اللي هي أصلاً الرضا
و حسيت بالدفا و العزوة اللي هما صُلب الإنتماء
حسيت بمعني كلمة أنتماء
بمعني حب الأرض و البيت و الناس لما شفت الترابط و المحبة مبينهم
لما شفت التمسك بأدق الأشياء و أبسط التقاليد مبينهم
لما شفت تمسكهم بأنهم يحبوا بعض و يحبوا حياتهم اللي ممكن كتير
ميتحملهاش بس هما في منتهي السعادة بيها
لما شفت البيوت بتاعتهم اللي في منها علي جبل و طلوعها و نزولها صعب
و مع كده هما بياخدوا من ده حاجة تفرح و بيطلعوا و ينزلوا كأنهم بيلعبوا
مبقولش أن الناس هناك ملايكة و بجناحات و مبقولش أن الناس الحلوة بس
هناك
بس بقول أن الفطرة و البساطة هما الطريق و النور
هما السبيل بجد و هما طوق النجاة و فيهم كل حاجة حلوة
فيهم الرضا و الطمأنينة و السكينة و السعادة
أنا متأكدة أن في زي النوبة كتير في قري تانية من مصر و ممكن يكون
حولينا دايما ناس زيهم
بس أحنا اللي مبنشوفش .. إحنا بنشوف اللي عايزنه و لما بنحس كتير
بنكدب الإحساس
بنكدب الفطرة .. مع أن كتير حاجات تتحس بس متتفهمش
أنا قررت أشغل إحساسي أكتر من كده .. أصدقه و أتعُبه .. و أستفتي
قلبي زي ما بحلل بعقلي
أدور علي البساطة و الرضا .. أحاول أنضف من جوا
يمكن في يوم من الايام أبقي زي الحاجة صفية