الجمعة، 2 نوفمبر 2012

الأردن

تحملني عبارة من حدود بلد لحدودٍ أخري، بضع من الدقائق و أنتقلت خارج حدود المكان لمكان أخر، أو ربما كنت أظن هكذا، في الواقع لقد إنتقلت خارج حدودي أنا الخاصة جداً لحدود أخري أوسع، أقل خصوصية، و ربما كنت أظُنها أكثر قدرة علي إدهاشي

ينبهر الجميع بإستقبالٍ حافل مليء بالورود و الوجوة الباسمة، يليق الإستقبال بمقام من تصتحبنا، تستقل هي سيارة خاصة تنقلها لمكان أكثر رسمية يناسب سيادتها، تتركنا نتفقد الحُجر و المكان، تشاركني الغرفة ذات العيون الزرقاء و الشعر الذهبي، أضطر للتواصل بلغة لا أتقنها و لا أحبها، تنبهر هي بالمكان، لا أنبهر أنا علي الإطلاق، يدُهشني عدم قدرتي علي الإنبهار.

أبحث عن مكان يستعيد لي خصوصيتي، مكان أشعر فيه بالألفه، أستطع به التخلص من بلاستكية التصنع و التصرفات الرسمية، أنتقي أحدي الموائد أنا و من يشبهونني، نتقاسم قليل من الطعام و كثير من المرح، ينتهي اليوم بقليل من السخونية، لا أعلم هل المرض مصاحب لتغير الجو أو أنه علامة عدم الراحة. يبدأو هم يومهم بضحكات و أصوات عاليه تمليء المسبح، أكتفي بإلقاء السلام من بعيد.

في الصباح، يسخر أحداهم "محدش يقول كده أدام ميس ندا.. أستغفر الله العظيم  ".. تعلو ضحكاتهم، أبتسم في هدوء، أدهشني عدم ضيقي، تساءلت كثيراً، من أين أتيت بكل هذا الكم من البرود؟!، ربما عناء المرض و درجة الحرارة المرتفعة تجعل طاقتنا أقل، أنهي طعامي فمكانٍ فاخر لكن رغم كل هذا الكم من الرفاهية غير مريح.

قبل ذلك بيوم تعزم علي إحداهم بسيجارة، أرد في رفق " مش بشرب سجاير" أتعجب، هل كان علي إيضاح هذا، ربما تكفي هيئتي لتوضيح ما أنا عليه، ربما هي تدل بما يكفي أن السيجارة ليس لها مكان بإصبعي، أشعر و كأنها كانت تتحدني حينما مددت يداها بتلك السيجارة، صوت داخلها أسمعه يردد "لاتحسبي أنكِ أفضل منا"، حقاً أنا لست أفضل أو أسوء، أنا كما أنا لا شيء أكثر.

نبدأ الرحلة وسط مجموعة من صخور البيترا بالأردن، الصخور تشق لنا مسالك و طرق، ألوانها تحمل درجات حُمرة مختلفة، و أشكالها تبدو كما لو أن أكثر النحاتين فناً و مواهبة نحتها، يتفحصني أحدهم بعيون تمتليء بالأسئلة، ربما تأثر كثيراً بأيامه داخل الجيش الأمريكي، يدعي الرجوع لأنه أراد تعلُم العربية و قرأة القرأن، لا أشعر بصدق كلامه لكن الأمر برمته لا يعنيني، حتي ترقبه لردود فعلي، و ملاحظته الدائمة لي لا يعنيني، ربما هو الأخر مثل صاحبة السيجارة يردد داخله صوتٍ عالي قائلاً " أنتِ مش أحسن مننا فحاجة" أو لعله يضحك في تهكم قائلاً " متخلفة، ساذجة، تحسب قطعة القماش التي تعلو رأسها تزيد من قيمتها".. 

أنتهي اليوم الثاني و الأخير و عادت بي العبارة من حيث أتيت، أدهشني رغم كل ذلك عدم إنبهاري، لازمني إحساس الغريب طوال الرحلة، لازمني كثير من الإنطواء، أدهشني تسامحي مع صاحبة السيجارة و عدم إكتراثي بجندي الجيش السابق، لا تعنيني سجائرهم ولا تصرفاتهم، لا تعنيني الكئوس التي كانت تزين المسبح، ولا تعنيني الغرفة الفاخرة التي أبهرت صاحبة الشعر الذهبي، لم أتذمر من مرضي و لا من عدم الألفة و الراحة، تونست بالغربة و تونست أكثر و أكثر بشغفهم لمعرفة ما يدور برأسي، أذهلني ترقبهم لردة فعلي من حين لأخر و كثيراً ما كنت أردد داخلي " لماذا يعنيهم رأيي؟!"..

___________
البيترا- الأردن
نوفمبر 2010