من كتاب "في معني أن أكبر" لـ
ليلي الجهني
إني
أكبر .. ومع ذلك فإنَّ كتابتي هذه ليست عدّاً لأعوامي ولا إحصاءً لها، لقد أدركتُ
-غيرَ متأخرةٍ على ما يبدو- أن قيمة وقتي فيما عرفتُه وأعرفه وسأعرفه عني وعن
العالم من حولي وأنَّ انشغالي بإحصاء السنين سيحرمني فرصة أن أعرف جديداً، وكلُّ
ما أحياه الآن هو نَهمُ أن أعرف. لم أعد أريد شيئاً غير أن أعرف أكثر كي أعيَ
مبلغَ جهلي الفادح، فأحزنَ أكثر مما حزنتُ. إن الذي يعرف ينأى كثيراً عن صخب السطح
وضجيجه، يغور وحيداً، وقد يفزع، وقد يتوحش، وقد يألم، بل إنه سيألم، لكنه أبداً لا
ولن يؤذي. أجل .. من يعرف لا يؤذي لأن الإيذاء خسارة في الروح والوقت، ولأن
الإيذاء ضعف، ولأن الإيذاء هزيمة متأخرة، ومن يعرف لا يحب أن يخسر، ولا أن يُهزَم.
إن الذي يعرف كذلك قادر على اصطناع بهجته الخاصة فوق رملٍ، يرتعب من الحياة حين
تتوق إلى التعبير عن نفسها، قادر على أن يعذر، وأن يمضي إلى الأمام، فإن التفتَ
فإنه سيلتفتُ لأن الحنين ينمو مع الوقت، ولأن التفاتةً إلى الوراء لا تعني
-حينئذٍ- أكثر من سلامِ العابرِ للعابر، وجُلُّ الحياة- حينما أتأملها- عابرٌ
يُحَيّي عابراً، وأنا لا أريد أن أعبر دون أن أعرفَ كل ما يمكنني أن أعرفه.
إنني أكبر ، وأفكر في أنني قد حصلت على أشياء كثيرة ، غير أن ذلك لا
يعني أنني حصلت على كل ما أردته، أو أن كل ما حصلت عليه كان مما أردته . ثَم
أشياء أردتها بشدة ، غير أنني لم أنلها فحاولت أن أتصبر عنها، وَثم أشياء نلتها
لأنها جاءت وليس لأنها ما أردته ، وأحاول دائماً أن أشكر الله عليها ؛ وفي مقابل
كل ما أردته ولم أحصل عليه ، وما حصلت عليه رغم أنني لم أرده نميت يقيًنا لا أريد
أن أحيد عنه بأن الله عادل، لكن الحياة غير عادلة. الحياة ليست مكاًنا للعدل ، بل
اختبار حسنا تجاهه ، أو على الأقل هذا ما استخلصته مما مر بي ، وفي هذا الاختبار
كنت كغيري من الناس : أصيب في مرات ، وأفشل في أخرى ، وأبتهل إلى الله كثيراً أن
يكون فشلي عن جهل لا عنت. لقد أدركت مبكرة أن قيمة ما نناله وما نُحرم ليست في
الأشياء نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع تلك الأشياء، نعمة كانت أو
ابتلاء. وإذا كنا نعي دون جدل أن الابتلاء ثقيل، فإن قلة يعون أن النعمة - كالابتلاء
– ثقيييلة ، وأن شكرها أثقل من الصبر على ضدها !
إنني أكبر ، و أنت معي . ظننت كثيرا أنَّني سأقطع هذا الدرب وحيدة ،
وأعددت نفسي لذلك ؛ لكنك جئت في اللحظة التي ناسبت مجيئك. لم أنتظرك ، ولم تتوّقعني ، وقد تقاطع دربانا في اللحظة التي قدر
لهما أن يتقاطعا فيها فأفضيا إلى درب واحد ، نمضي فيه معا .أحياًنا ، عندما أفكر
في الأمر بطريقتي التي تعرفها ، أشعر بغرابة تجاه فكرة أّنني : تزوجتك ،لغرابتي
وليس لغرابة الفكرة نفسها ، ولا لغرابتك ؛ لكن الفكرة تغدو مقبولة و مبهجة عندما
ألتفت فألمح وجهك . أفكر في أّنك تنظر إلي فترى ما أنا عليه ، فلا تجهد نفسك كي
تغيره ، ولا تجهد نفسك كذلك كي تحتمل غرابة طباعي ، و مخاوفي ، وقلقي ، وميلي إلى
تعقيد الحياة ، أنت تتقبلها فحسب ، وقد تبسطها أمامي في مرات ، كي تجعلني أدرك
أّنك تدرك ، وأن كل ما علي أن أفعله هو أن أثق بك ، بي ، بنا معا أكثر مما أفعل .
إّنني أكبر ، وأنت معي ، أقول لك بنزق : " أشعر بالفراغ " فتقول بهدوء :
" اكتبي " ؛ فأحس أن ليس هناك ما هو أكثر أماًنا من أن تعرفني إلى هذا
الحد و أن تكون معي .
إنَّني أكبر ، و ازداد تشبًثا بأن لا أعرف ما قد تخبئه لي الحياة .
لا أسعى إلى ذلك ، ولا أظّنني سأفعل . في أحد شوارع القاهرة فر تمن بصارة اعترضتني
كي تقرأ لي - كما قالت - بختي . لاحقتني وهي تقول : " وشِّك بيتكّلم ، سيبيني
أقرأ لك البخت " ، فابتعدت عنها وأنا أردد : " ما أبغى " . أفزع من
فكرة أن أعرف ما قد يحدث لي ، وكّلما فكر ت في الأمر بدت لي معرفة مبهظة : ن أحيا
أ مرا ما مرتين ، فر حا كان أم أسى . و أنا أحب أن أمضي في الدرب فاستكشف ما
قد يفضي إليه ، لا أن أتوّقى شيئًا فيه ، أو أنتظر وصولي إليه . ما جدوى أن أعر ف
ما لن يمكنني تغييره ، وفوق ذلك فإن معرفته قد تغيرني؟ أفهم تو ق الإنسان إلى أن
يعرف ، لكن في المقابل أفهم خوفي من أن أعرف قبل الأوان ؛ لذا أختار أن أخا ف على
أن تنهكني معرفة كيف أن حياتي ستتغير في لحظة ما . أجل سينهكني أن أعرف ، وأن
أنتظر أن يحد ث ما عرفته ، و أن يحدث ، أو أن لا يحدث. يا للخسارة الفادحة ألا
يكفي أن نخسر دون أن نعرف ؟
إنَّني أكبر ، وأنغمس أكثر من ذي قبل في تأمل حياتي ، وكلّ الحيوات
التي تقاطعت وتتقاطع معها . تدهشني فكرة تقاطع الحيوات والمصائر هذه . يدهشني أن
يتقاطع معي أناس في كل مكان ، في الشوارع ، في الأسواق ، في أمكنة العمل أو
الدراسة ، أو المستشفيات ، أو المطارات أو غيرها . و أفكِّر كثيرا في كيف أن كل
هذه الحيوات تتقاطع بكلّ هذه الدقة ، و هذا التقدير؟ و أتساءل :عندما أتتقاطع مع
أحدهم فهل يعني ذلك أن قدر أحدنا سبب في خلق قدر الآخر ؟ و أي القدرين أسبق إن كان
الأمر كذلك أم أن الأقدار تتوازى في خلقها ثم تتقاطع في حدوثها؟ و أفكِّر في كيف
أن ملايين الحيوات ظلَّت تتقاطع طوال آماد مضتْ، فيقود تقاطعها إلى أوضاع جديدة ،
فيما تكتفي حيوات أخرى بالعبور فحسب مثلما يحدث في صالة انتظار مطار ما، تتقاطع
لأنَّنه قدر لها أن تتقاطع ، من قبل أن يخلق الخلف ب ٥٠٠٠٠ عام ! أحياًنا أتساءل :
كيف خطرتْ لله – جل شأنه – فكرة : الحياة ؟
إنَّني أكبر ، وأميل إلى الوحدة أكثر من ذي قبل، و أفكر دائما في
أنَّني كنت سأكون من أهل الصوامع والِبيع ، لو أن الزمان تقدم بي .الوحدة لا
تؤذيني ، و معها يمكن أن أعي هشاشتي فلا أحزن ، لأنِّي سأكون غير مضطرة لتبريرها
، وغير مضطرة للاعتذار عنها،وغير مضطرة حتى لأن أرتبك إزاء رد فعل الآخرين
تجاهها . في حياتي اليومية يمكن لي أن أكون مع الناس لبعض الوقت ، لكن الذي ينهك
روحي أن أكون مع الناس طوال الوقت ، أو لفترات طويلة . طول الحضور يجعل المرء –
بالنسبة لي – باهًتا مثل قماشة تركتْ تحت الشمس طويًلا ، فغابت بهجة ألوانها ،
وغاب حتى وقع ملمسها الحقيقي ، ولم تعد أكثر من شيء كان، وما أكثر الناس التي
كانت! وأنا لا أحب أن أكون سهًلا مفتوحا ، وأحب كث را أن أكون الغابة التي يزورها
المرء بين وقت وآخر ، فيجد في كلّ مرة جديدا .تجربة الحياة كّلها – كما أرى – تكمن
في التآلف مع الوحدة ، لأنَّنا نخوض حيواتنا فرادى مذ نولد وحتى نموت . وأعظم
تجاربنا تجارب تتبدى فيها الوحدة بأوضح صورها مهما شاركنا فيها الآخرون : الولادة
، و المرض ، والخوف ، والفرح ، والألم ، والحمل ، والموت . الوحدة إذن ، مآلنا
الأخير.