في تاني حدث لي بداخل جدران جامعة القاهرة، و
بعد خمس سنوات من حصولي علي بكالوريس العلوم، أشهدك ربي أني أكافح للحصول علي درجة
علمية أخري، أشهدك أني أعاني من أجل هذه الخطوة معاناة لا مثيل لها، عنيت لمدة
أربع سنوات داخل جدران مباني أصمه لا تشعر و ضمائر تدعي تأدية رسالة و لكنها فالحقيقة
تؤدي دور رسمته لنفسها بالمرأة، عنيت و تألمت لأُمنح البكالوريس، معاناة تلاها
أخري لا تقل عنها صعوبة ولا ألم أستمرت لخمس سنوات أخري. خمس سنوات من الدوران في
دائرة مغلقة و البحث الدائم عن مخرج أو سبيل يتحقق به الأمل و يمكن به إثبات أن
الوقت مثمر و ليس بمسكوب كالماء المهدور. خمس سنوات من اللحاق بالأحلام التي تهرب
مني، و من التمسك برسالة تمنيت أن أستحق تأديتها، طرقت فيهم كل الأبواب و سعيت بهم
بكل وسعي و جهدي و تمسكت بالأمل مراراً و بالإيمان كثيراً.
لقد أنتهت تلك الخمس سنوات، و ها أنا علي
أعتاب الإنتهاء من كابوس روتيني، علي أبواب الحصول علي الماجستير، يفصلني عنه أكثر
من ستة أشهر علي الأقل للمرور بحلقات إدارية عقيمة و لكن دوري الفعلي فهذة الحلقة
أوشك علي الإنتهاء. لا أعلم لماذ أكتب تلك الكلمات الأن، ربما كان علي الإنتظار
حتي أنتهي منها حقاً، أو ربما حينما أُمنح الدرجة، لكني وجدت صدري يضيق، هموم
تتكاثف و شعور كبير بالعبء، عبء و مسؤلية، ربما عبء عدم الإختيار، ربما عبء
الدوائر اللانهائية من اللاقرار، ربما هو عبء المضي بمسار لا أجدني به.
أبحث عني وسط أكوام من الأوراق و كثير من الرسومات
التوضحية و المراجع ولكن لا أجدني، أبحث عني في تلك المباني الصلبة، تلك المعامل
التي لا تشعر و تلك الوجوه التي لا تهتم و لكن لا أجدني. أرتدي قناع الصبر و
أحياناً الضجر لتمضي السفينة إلي مرسي جديد. أردد علي أذني كلمات لها معاني الصبر
و الأمل، أحاول بشتي الطرق التخلص من كل أيدي الإحباط التي تمسك بي، أقنع نفسي
بأنها مرحلة و ستمضي.
أخذت جدران هذا المعبد من عمري نحو التسع سنوات
و الأن هي تبدأ عامها العاشر، منحتني كثيراً و لكن كل ما تمنحه لا أريده. أشهدك
ربي أني أود الخلاص من تلك الخطوة كوسيلة و ليست غاية، أشهدك أني لا أرغب فتباهي
مزيف بدرجات علمية لا تمنح صاحبها إلا مزيد من الصبر و أحياناً الحكمة، أشهدك أني
لازلت لا أعلم و ليس لدي من العلم ما ينفع، أشهدك أن شوارع هذا المعبد منحتني من
المعرفة ما لم يمنحني كهنته. كهنة العلم المتباهين بألقاب تدل علي درجات علمية
أغلبها مزيف منحوني صبراً و حكمة و إيمان بوجودك و لكنهم أبداً لم يمنحوني علم.