الاثنين، 10 ديسمبر 2012

الرحلة - 1

من كتاب

ايام طالبة مصرية في اميركا
لـ رضوي عاشور
________________
و روحت أنتظر رسالة من القاهرة، رحت انتظرها كل يوم رغم كل الحسابات التي تقول انها لم يحن وصولها. كنت أعي اللامنطق في عنادي و لكني كنت بحاجة إلي الانتظار، بحاجة ملحة الي الفعل اليومي في ظل وجود رسالة حتي لو كان وجوداً غائباً هو المنتظر! و كانت هذة هي بداية علاقتي بصندوق البريد الصغير في الدور الأرضي ببرينس هاوس الذي يحمل رقم غرفتي (224). في اليوم الواحد أمر به عدة مرات، أنظر عبر طاقته الزجاجية فلا أري شيئا ثم افتحه للتأكد، أجده خاويا و أذهب. فهل كنت خائفة؟ ساعتها لم أعي مدي خوفي، و لكني كنت أعرف أنني قلقة. و بدا لي أنني و مريد اللذين عشنا طويلا في ظل جغرافيا مفرقة، بافتراقنا هذة المرة قد نضيع
... 
منذ طفولتي المبكرة رحت أغالب الخوف و أخرج من كل جولة معه رافعة رأسي في اعتداد طفولي جميل. نشأت بين صبية ثلاثة هم اخوتي، و لأنني كنت دائماً أخشي أن تنسب لهم الشجاعة و الاقدام لأنهم ذكور و أن يرتبط بس الضعف أو التخاذل، فقد كنت دائما أقفز للمواجهة تاركة خوفي ورائي. أمد يدي لأخذ حقنة التطعيم اولا و أدعي أن الحقنة لا تؤلم... لا أروغ في تناول الدواء المر بل أخذه في هدوء متكلف مدعية أن مرارته مقبولة... أراهن أخي الأكبر أنني استطيع تجاوز قدرته علي التحمل... لا أبدي خوفي حين اضطر للدخول الي مكان مظلم. و لا أدري تحديدا أي اثار سلبية ترك هذا العناد الطفولي الممتزج برغبة في تأكيد الذات علي سلوكي بعد ذلك و لكني أدري انني أكتسبت قدرا من الشجاعة الأدبية و الاقدام
... 
الركض حالة أعيشها دائما. في طفولتي كانت طاقة الحياة في تلح و تفيض فأركض. و في مراهقتي ركضت خوفا من جسدي النامي و من الحراملك المنتظر. ثم بقيت أركض لكي لا أفقد نديتي للرجال من ابناء جيلي، أركض لكي أتعلم، أركض لكي استقل، و أركض لكي لا يعيدني أهلي الي حظيرة حبهم ووصايتهم، و أركض لكي لا يزج المجتمع بي في خانة الدونية المعدة للنساء. و بقيت أركض حتي صار الركض طبيعة ثانية لي. و هكذا الحال منذ وصلت الي أمريكا وجدت نفسي أيضا أركض درءا للغربة و وفاء بالتزامات دراسية متعددة سعيا لتحصيل سريع يعيدني لمصر. فأحضر الدروس المقررة و أقرأ و أكتب و أناقش و أشرح و أقضي وقتا طيبا، دائما ركضا
...
- إنه الثلج !-
ندف صغير ناعم ابيض يتساقط في اتصال من السماء الي الارض التي بدت مثل كعك العيد الذي ترشه أمي بعد انضاجه في الفرن بالسكر المطحون الناعم. و أنا خلف زجاج النافذة أتابع سكون الأرض في الأبيض موزعة بين فرحة التجربة البكر و حزن الغريبة
... 
تناولت كوبا من القهوة و عدت الي برينس هاوس و استعرت دراجة احدي الزميلات و قد قررت النزول الي المركز التجاري لشراء بعض الهدايا. تجاوزت برينس هاوس و انا اجر الدراجة بجواري حتي وصلت لنهاية الشارع ثم انحرفت يمينا و ركبت، و كأن الدراجة في الطريق المنحدر من أعلي التلة كائن مسحور يسير علي الأرض طائرا. في طفولتي كانت لي دراجة كنت أحب ركوبها. و مع سنوات المراهقة صار أبي يعترض علي خروجي بها إلي الشارع. و بقي ركوب الدراجة بالنسبة لي مرتبطا بمساحات الطفولة البريئة و الثقة التلقائية في النفس التي صارت تخفت تدريجيا مع قلق المراهقة و شكوكها المتزايدة عما تستطيع تحقيقه. و اذ تطير الدراجة هكذا بي أو أطير أنا بها أو يطير انحدار التلة بكلتينا تعود لي مشاعري الطفولية بالقدرة و التمكن و الفرح المطلق بالوجود و نفسي
... 
ملأت الاستمارات و سلمتها ثم اتجهت الي المبني المخصص لبيع الكتب المقررة. أخذت ما يخصني من الكتب و بعض الكتب الأخري أيضا لم أستطع مقاومة إغراء شرائها، ووقفت في الطابور في إنتظار دوري لدفع الثمن. الكتب المصفوفة علي أرفف خشبية و علي الأرض يعلو كل مجموعة منها لافتة تحمل اسم القسم و رقم الكورس و المكان تعيدني الي محل بيع الكتب بالمدرسة التي كنت أدرس بها و أنا طفلة. في الدور الأرضي محل كبير يبدو و هو الممنوع علينا دخوله و المليء بالكتب الجديدة و الكراسات و الأقلام و الألوان، قبواً سحرياً مستحيلاً، نقف عند أعتابه تلمح من شباك له قضبان حديدية بعض كنوزه، و نطلب هذا الكتاب أو ذاك لشرائه. و في كل عام، قبل بدء السنة الدراسية، يقف أولياء أمورنا في طابور طويل بالدور الأرضي أمام عارضة خشبية تسد باب المحل ليشتروا لنا الكتب المقررة. يدفع أبي ثمن الكتب و أعود فرحة إلي البيت بحقيبتي الجلدية و قد انتفخت بالكتب ذات الرائحة المميزة. في البداية كانت الصور هي التي تستهويني، ثم عاما بعد عام أخذت الصور تقل و روحت أروض نفسي علي قبول الكلمات التي بدأت افك رموزها. و لكن دائماً سواء توفرت صور أو غابت كنت أحب رائحة الكتب الجديدة حيت أقلب صفحاتها فتصل رائحتها تلقائيا الي او اقرب انفي قاصدة من الورق
....